اليوم الثلاثاء 25 يوليو 2017 - 6:48 صباحًا
أخر تحديث : الأربعاء 5 سبتمبر 2012 - 8:39 مساءً

دفاعا عن التعليم الخصوصي

دفاعا عن التعليم الخصوصي

الحسن دانكو*

على سبيل البدء :  قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” فقال رجل: أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال “تحجزه أو تمنعه من الظلم فإنّ ذلك نصره”.حديث صحيح

——————————————————————————————————–

عرف التعليم الخصوصي بجهة سوس ماسة درعة، على غرار كافة جهات المملكة حركية مشهودة في الآونة الآخرة، وكان في أجندة مجموعة من المسؤولين مركزيا وجهويا، فقد حل أكثر من مسؤول ضيفا على الجهة من اجل تدارس اوضاع القطاع ، كما عرفت الجهة أول تجربة تخص تكوين المدراء التربويين لمؤسسات التعليم الخصوصي أشرفت عليه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لسوس ماسة درعة، عرفت حضورا كثيفا يترجم التعطش الكبير لهذه الفئة لمثل هذه المبادرات الجادة، وقبل ذلك كان المجلس الأعلى للتعليم قد خصص دورة للتعليم الخصوصي.و هناك مؤشرات كثيرة تتالى للدلالة على أهمية القطاع ، و تناميه و مساهمته كما و كيفا في المنظومة التربوية بالجهة و بوطننا عموما  ..كما  هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الوعي المتزايد والمتنامي بدور وأهمية التعليم الخصوصي في المنظومة التربوية لبلادنا، باعتباره شريكا استراتيجيا للمدرسة العمومية وللدولة في تنزيل مضامين البرنامج الاستعجالي على أرض الواقع، وكذا إنجاح جيل مدرسة النجاح، ولكن هل هذا يكفي؟ لن أتحدث عن القيم المضافة التي جاء بها التعليم الخصوصي، والتي لا يجادل أحد في ثرائها وغناها، ولكن سأضع الأصبع على بعض مكامن الخلل التي لا زالت تنهش جسم التعليم الخصوصي، وليس هذا الأمر جلدا للذات ولا فقدانا للثقة في النفس، ولكن المصارحة الذاتية أحسن من تجاهل النواقص، والنقد البناء بداية الطريق السليم.
ومن النقط التي استأثرت باهتمام المتتبعين للتعليم الخصوصي، سواء من داخل الجسم التربوي الخصوصي أو من خارجه الغرور الملاحظ والاستعلاء على التعليم العمومي – ولو على المستوى النفسي – حيث أن هناك جزءا من التعليم الخصوصي، وهو لحسن الحظ استثناء، لا زال ينظر إلى نفسه انه البديل المنتظر للتعليم العمومي، وأنه أمل التعليم المغربي، ناسين أو متناسين أن الأصل هو التعليم العمومي، وأن العلاقة بين التعليمين تكامل وشراكة وليست تنافسا اقصائيا، كما أن التعليم الخصوصي لازال يعتمد على التعليم العمومي في كثير من الآليات التي يشتغل بها وعليها. .. أما الملاحظة الثانية التي لا نجد صعوبة في التنبه لها، وهي تنازع المستثمر والتربوي في هذا الميدان، وليس أدل على هذا التنازع من دفتر التحملات الخاص بخلق المؤسسات الخصوصية، حيث الفصل بين المؤسس والتربوي، ونادرا ما تجد المؤسس تربويا أو التربوي مؤسسا، مما يخلق ارتباكا واضحا في الفعل التربوي وصراعا خفيا بين المثل – بالضم – والواقع.
ثالث ما يسترعي الانتباه هو الارتماء في أحضان الهوية الأجنبية – بغير قصد طبعا – عن طريق اعتماد مقررات أوروبية في مجملها – في اللغتين الفرنسية والانجليزية – بشكل متسرع في أحيان كثيرة، مما لا يسمح بالتمحيص الجيد لهذه المقررات، ويترك المجال لتسرب أفكار ومعتقدات وتقاليد قد تتناقض مع الهوية المغربية الوطنية والدينية والتاريخية والحضارية. .. مما يتطلب العمل من أجل وضع بدائل مغربية خالصة تحقق الجودة المطلوبة والتميز المرتجى…والمسألة ليست هينة. .بل تحتاج إلى رجال وطنيين يحملون عبء هذا المشروع من الفكرة إلى التنفيذ. ..
ومن الملاحظات التي لا تفسد للود قضية، تناسل للمؤسسات الخصوصية، هذا الأمر الذي وان كان مقبولا في فترة من الفترات، الا أنه اليوم يعتبر نقطة سوداء بالنسبة لهذا القطاع، ففي بعض المناطق نجد بين كل مؤسسة تعليمية خصوصية وأخرى، مؤسسة تعليمية ثالثة، مما يجعل طرح سؤال الجودة يكتسب مشروعيته وراهنيته، فهل الرهان الكمي كفيل الرفع من جودة التعليم ؟؟ لا أظن. ..وتجدر الإشارة إلى انه قد سبق طرح مقترح المسافة القانونية – على غرار بعض القطاعات الأخرى – و لا ندري أين وصل النقاش فيه. ..
ومن أهم المؤاخذات على التعليم الخصوصي هو غياب التكوين أو ضعفه – في أحسن الحالات – لدى الأطر التربوية والإدارية للقطاع، فقليلة هي المؤسسات التي تلقى أطرها تكوينا أساسا قبل الالتحاق بها وتكوينا مستمرا بعد الاندماج فيها، وهذا الأمر يرجع إلى غياب رؤيا واضحة لدى أغلب” المستثمرين” في الميدان، إذ أن الهاجس لديهم ينصب على الشكل دون المضمون، والاعتقاد السائد لدى أغلبهم أن اعتماد مناهج أوروبية كاف لتحقيق الجودة المنشودة، ناسين أو متناسين أن محور العملية كلها هو الأستاذ، و أن الكتب المدرسية والوسائل التعليمية مهما بلغت فعاليتها لا تسمن ولا تغني من جوع إذا وقعت في يد غير مدربة… كما أن التكوين الأساس والتكوين المستمر هما اليوم رهان استمرارية أي عمل، نظرا لما تعرفه جميع المجالات من تطور بوتيرة رهيبة لا مجال فيها للتوقف أو استرداد الأنفاس حتى… واذا صحت هذه الملاحظة بالنسبة للأطر التربوية فانها بالنسبة للأطر الادارية أصح، فمعظم المديرين بالتعليم الخصوصي التحقوا بالإدارة دون أدنى تكوين، والمبادرة الأخيرة لأكاديمية سوس ماسة درعة – مشكورة – تدخل في اطار سد الفراغ المهول الذي تعاني منه المدرسة الخصوصي في هذا الجانب…
أما عدم استقرار الأطر التربوية بالتعليم الخصوصي فهو لا يقل خطورة عن سابقه، فالإطار بمؤسسات التعليم الخصوصي يتنقل باستمرار، وقد تجده في سنة واحدة قد قام بجولة بين العديد من المؤسسات، مما يربك العملية التعليمية التعلمية في بعض مكوناتها، أما مساره الدراسي فقد لا يتذكر كل المؤسسات التي مر منها، والأدهى أن هذا الإطار تجده يفتخر بنهج سيرته (CV) لأنه يعتقد أن ورود عدد لا يستهان به من المؤسسات قد يسعفه للحصول على عمل قار، لكن سرعان ما يستفيق من حلمه ليجد نفسه مرة أخرى مطالبا بالبحث من جديد… في دوامة لا تنتهي إلا لتبدأ.. و لا ننسى أن من أسباب هذا الترحال هو عدم إعطاء الفرصة للإطار للانسجام مع المؤسسة التي ينخرط فيها، واستعجال الثمرة من لدن مالكي ومسيري المؤسسات الخصوصي، فالإطار كالتلميذ يحتاج إلى وقت للتكيف مع الوسط الجديد عليه… ومنحه مهلة كافية لإثبات الذات لن يرجع على المؤسسة إلا بكل خير…كما أن التروي عند اختيار الإطار يعتبر مفتاحا لكل جودة..
و من الملاحظات التي استرعت انتباهي التسرع الذي ينتاب بعض الأطر إن لم أقل أغلبهم، وعزوفهم عن التكوين والتكوين المستمر، فهناك أساتذة طموحون، لكن بشكل مبالغ فيه مما يوقعه في فخ الغرور، فيعتقد أن قضاء سنتين أو ثلاث في التعليم كافية ليصبح مديرا أو أعلى…وهذا خطأ قاتل يؤدي إلى تكرار التجارب الفاشلة تربويا في التعليم الخصوصي، ويجعل الإضافة النوعية منعدمة تماما، بل قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن هذا النوع من الإضافة هو عبارة عن دكان لبيع جودة وهمية مشكوك فيها…
فالإطار الطموح – تربويا كان أو إداريا – لا يجب أن يعميه الغرور بل عليه التواضع حتى يصل إلى ما نصبو إليه، وهو تنقية ميدان التعليم الخصوصي من كل الشوائب، ونصحح نظرتنا إلى التعليم الخصوصي قبل أن نطالب غيرنا بذلك…أما التواصل مع الأسرة فأعتبره الغائب الأكبر في المدرسة الخصوصية – كما المدرسة العمومية – لأن أغلب المؤسسات تعتبر التواصل مفتاحا للشر في حين أنه – في نظري – أهم أبواب الخير ، يعود على المؤسسة بالخير العميم ، و يقوم اعوجاجها و يبصرها بايجابياتها قبل سلبياتها ، و ما أحوجنا – في التعليم الخصوصي – بمن يبصرنا بعيوبنا ، و لذا تجد أغلب المؤسسات تتحفظ من جمعيات الآباء ، و ترفض بشكل قاطع مجرد التفكير فيها ، و هذا ناتج عن بعض التجارب الفاشلة التي مر ت منها بعض المؤسسات الخصوصية في علاقتها بالجمعية ،و هذا في نظري ليس مبررا للمنع الكلي بل لابد من الاقدام على هذه الخطوة و ترشيدها لما فيه مصلحة التلميذ أولا و أخيرا . ومما يحز في النفس كذلك أن نجد بعض المؤسسات يستنسخ بعضها بعضا دون تنزيل برامجها على أرض الواقع لتكييفها حسب الظروف و حسب الحاجة ، و هذا ناتج عن ضعف ملكة الابداع و الابتكار لدى القائمين على هذه المؤسسات ، مما يستوجب تنمية هذه الروح لدى كل الفاعلين في القطاع ، ليكون فعلا قيمة مضافة في منظومنتنا التربوية … و الحديث حقيقة ذو شجون .
وختاما ان دفاعي بهذا الشكل عن التعليم الخصوصي، أعتبره هو الطريق الصحيح للإصلاح، أما التغاضي عن النقائص والهفوات، فلن يزيد الوضع الا تأزما، وأتمنى أن أكون قد ساهمت في النقاش الدائر حول إصلاح المدرسة المغربية بوضع الأصبع على بعض – أقول بعض – جروح مكون من مكونان تعليمنا المغربي وهو التعليم الخصوصي… وللآباء و الأمهات و كافة الفاعلين واسع النظر .

* مدير تربوي شتوكة ايت باها  جهة سوس ماسة درعة

فاعل في التعليم الخصوصي

أضـف تـعـلـيق 2 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.