اليوم الأربعاء 23 أغسطس 2017 - 4:29 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 11 أكتوبر 2012 - 3:58 مساءً

فنُّ الشــارع

فنُّ الشــارع

الغرافتي سياسي في مصر وتجريدي في المغرب

 

بقلم الكاتب والسينمائي  المغربي : محمد بنعزيز

باطن سور الثانوية نظيف، لكن من الخارج مملوء بالرسوم الاحتجاجية والكتابات وأسماء التلميذات والمشاعر تجاههن… الشبان يرسمون وإدارة المؤسسة التعليمية تبيض الجدران لإخفاء الأوساخ وعلامات الحب والغضب… وقد تزايدت عملية الصبغ والتبييض في الفضاء العام منذ إحراق البوعزيزي لنفسه في سيدي بوزيد… في أماكن كثيرة تعب الذين ينظفون الجدران ولم يتعب الذين يرسمون عليها… في نهاية المطاف صارت الكثير من الشوارع تقدم صنفين من المعارض…

الصنف الأول من هذا الغرافيك عبارة عن شعارات سياسية عنيفة، كتبت في الليل وعلى عجل، تندد بالفساد وبأشخاص لهم سلطة، وغالبا تتم إزالتها بسرعة في الصباح خاصة في الصحراء والريف (شمال المغرب حيث انطلقت ثورة عبد الكريم الخطابي). الصنف الثاني غرافيك غير سياسي بشكل مباشر، يتم التسامح معه، وفيه زوايا حادة، أشكال مائعة تتجاوز التعبيرية نحو التجريد، خطوط وشظايا أشكال، اندفاع تجريدي يتنكر لكل أشكال الكبح… رسوم تنبع من خيال جامح لجيل كانت الرسوم المتحركة مصدر ثقافته الوحيد… خيال يحتفي باللامعنى… مع تكرار كلمات، بالأنجليزية غالبا، تلعن العالم.

هذا “رسم” ثائر على معايير الذوق التقليدي… أنجزه شبان من الطبقة الوسطى، يسكنون حيا محترما وشعرهم مدهون بالجيل، يحتجون على قضايا لا نهائية، منها ديكتاتورية الذوق السليم. توجد رغبة جامحة لتخليد هذا الاحتجاج الغامض.

غرافيتي مغربي

غرافيتي مغربي

 

يحظى هذا الفن التجريدي بالدعم، إذ تتقدم جمعيات معترف بها رسميا بطلب للسلطة لتمول شراء الصباغة، ثم يتولى فنانون إنجاز غرافتي غير مسيس، وتأتي كاميرا التلفزة لتصور هذا الإنجاز.

بهذا الشكل يدوم الغرافتي المغربي، ولا يصير مستفزا… ولأنه تجريدي فهو مقطوع الصلة بالتعبير عن سخونة اللحظة السياسية…

في مصر، الوضع مختلف، الغرافتي لصيق بالحدث واللحظة. يصفها ويكثف معناها… وهو يحمل وجهة نظر سياسية غاضبة غالبا… كما في غرافيتي ميدان التحرير في القاهرة… حيث تم رسم وجوه الشهداء وشعارات المرحلة: إرحل.

هذا هو فن الشارع.

الشارع المجيد صنع الحدث وعبر عنه على الجدران… بشكل مزدوج: ثقافي وسياسي.

لذلك سيكون من الجيد أن تقلل وسائل الإعلام من تركيزها على خطاب المثقفين – وهو شكاوي تيئيسية في معظمه… – لتركز على فن الشارع.

فما يجري الآن، خيرا كان أو شرا تبعا لموقع من يراقب، هو ثورة صنعها الشارع ولا يد للمثقفين فيها. وقد كان قبول جابر عصفور لمنصب وزير ثقافة في آخر حكومة لمبارك دليلا على انعدام البوصلة… ثم إن كبار المثقفين لم يتوقعوا سقوط حسني مبارك وموت القذافي في حفرة.

لكن بعد ان استوى محمد مرسي على كرسي الرئاسة في مصر، صار الإخوان المسلمون يعتبرون أن بقاء الغرافتي عامل تحريض للشباب… خاصة وأن الصور تهيج الذكريات. وقيل إنها حرام شرعا.

الحل؟

انتشر خبر يوم 19 سبتمبر 2012 في مواقع التواصل الاجتماعي يقول أن وزارة الداخلية المصرية أزالت رسوم “الجرافيتي” من محيط ميدان التحرير لتنظيف القاهرة… من جهتها نفت الوزارة اشتراك الشرطة في إزالة «جرافيتي الشهداء»… وقد اعتبر النشطاء ذلك “طمسا لملامح الثورة”.

غرافيتي مصري، العسكر ثعبان مجنح برؤوس وأحذية ثقيلة

غرافيتي مصري، العسكر ثعبان مجنح برؤوس وأحذية ثقيلة

 

طبعا حين تنتشر الأزبال على الأرصفة وعندما يعلو سواد عوادم السيارات الجدران والعمارات، لا يستدعي ذلك نظافة. لكن ألغرافيتي يحتاج تنظيفا…. على أمل القضاء على المزاج الثوري الذي يهيمن على الشباب هذه الأيام…

يعتبر المنتصرون أن الثورة انتهت، وحان وقت تنظيف القاهرة للعودة للوضع الطبيعي. وفي هذا نظرة للغرافيك كفن زائل، وإزالته إعلان عن سيطرة السلطة على الفضاء العام. من جهتها تحرص الذاكرة الشعبية على تخليد جراحها ووجهة نظرها، تنشد:

يا نظام خايف من فرشة وقلم .. و بظلمك بتدوس ع اللى اتظلم
لـــو كنت ماشى فى السليم .. ماكنت خوفت م اللى اترســــم
آخــرك تـحــارب الحـيـطــــــــان .. تتشـطــر ع الخطــــوط والألــوان
لكن أنـــت من جـــواك جـبــان .. عـمــرك مـا تبنــى اللــى أتهدم

لمنع السلطة من طمس الرسومات والذاكرة الثورية، ولصالح بقاء الروح الثورية مشتعلة،أعلن عدد من النشطاء المصريين عن اقامة أسبوع تحت اسم “جرافيتي التحرير” بدء من 21 سبتمبر، للتأكيد أن الثورة لم تنته. في المغرب لم تبدأ أصلا.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات